محمد جواد مغنية
539
في ظلال نهج البلاغة
النظر عن أسلوب الحياة وما يحيط بها ، مثل كل إنسان بريء حتى تثبت ادانته ، والضرر الأشد يزال بالضرر الأخف حيث لا مندوحة إلا بتحمل الضرر الأخف ، ومثل الضرورات تبيح المحظورات ، والمرء مؤاخذ بإقراره ، ومسئول عن عمله ، ومثل رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن النائم حتى يستيقظ . . وهذا النوع يستحيل أن يتبدل أو يتعدل ، لأنه منوط بطبيعة الانسان من حيث هي . والنوع الثاني : احكام تابعة للأوضاع ولأسلوب الحياة عند صدور التشريع بحيث يكون الحكم وثيق الصلة بتلك الأوضاع ، مثل حد الطريق سبعة أذرع حيث لا سيارات وشاحنات : ولا مدن تغص بالملايين ، ومثل قول الفقهاء القدامى : من أتلف كتاب غيره فعليه قيمته لا مثله ، لأن المثل متعذر آنذاك حيث لا مطابع وتصوير ، أما اليوم فالكتاب المطبوع أو المصور فهو مثليّ لا قيمي . وسئل الإمام عن قول الرسول ( ص ) : غيروا الشيب ولا تشبّهوا باليهود فقال : ذلك والدين قلّ . أما اليوم وقد اتسع وضرب بحرانه فامرؤ وما اختار . وفي سائر الأحوال فإن غاية الشريعة الاسلامية أن تجعل الحياة أفضل ، وان تقوم بين الناس علاقات منتزعة من مصالحهم بالتساوي ، فأينما كانت الحياة الفضلى فثم دين اللَّه ، وشريعة رسول اللَّه . ( وان اللَّه سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن ) في أسلوبه وأمثاله ، وحرامه وحلاله ( فإنه حبل اللَّه المتين ) من تمسك به نجا ( وسببه الأمين ) من التهلكة ( وفيه ربيع القلوب ) أي صحتها وسلامتها من الأوباء ( وينابيع العلم ) باللَّه وصفاته ، وبكثير من الكائنات وأسرار الحياة ، وبالأمم الماضية والقرون الخالية ، وبقواعد السلوك التي لا ينكرها عاقل على وجه الأرض ، وغير ذلك من الكنوز التي يعرفها الراسخون في تأويله . ( وما للقلب جلاء غيره ) الا إذا كان مستمدا منه ، أو يلتقي معه في مبادئه وتعاليمه ، لأنه كتاب الحياة الذي يطلق العقول ، ويحطم قيود الجهل والتخلف ويسير مع عجلة التقدم ، بل ويدفع بها إلى الأمام ، ولذا عاش ويبقى حيا إلى الأبد ( مع أنه قد ذهب المتذكرون ) أي ان القرآن عاش على الرغم من ذهاب الذين عملوا به ( وبقي الناسون ) وهم الذين لا يعرفون شيئا من أحكامه ( والمتناسون ) وهم الذين يعلمون ولا يعملون .